
يؤمن الكثير من عرب الاحواز بشرعية المقاومة والنضال ضد الاحتلال الإيراني الواقع على بلدنا منذ 24/04/1925، على يد الحاكم العسكري آنذاك، رضا خان بهلوي، الذي انتزع الحكم في إيران من سلفه نادر الدين شاه بالقوة، ونصب نفسه فيما بعد ملكا على إيران، بعد أن احتل إمارة عربستان العربية، وضم عدة أقاليم إلى الدولة المركزية في إيران.
ويؤمن العديد من الاحوازيون بتبني أسلوب المقاومة السياسية والعسكرية للسياسات الإيرانية، على أنها عدوانية وتستهدف الأرض والشعب على حد سواء، وطالب هذا التيار بالتحرير والانفصال وتحقيق الاستقلال، بينما نجد جماعات أخرى من الاحوازيين، قررت أن تكون معتدلة بعض الشيء في مطالبها التي حسرتها بين التأكيد على الحق في تقرير المصير أو الحكم الذاتي لإقليم الاحواز. وهناك تيار آخر، اعتمد النضال السلمي تجاه ما يسميه بالأمر الواقع المفروض عليه، اسمه إيران، ويرى هذا التيار، بأنه من الممكن الحصول على حقوقه القومية المسلوبة من قبل الأنظمة الإيرانية المتعاقبة، دون المطالبة بالاستقلال.
أدت قناعة التيار الأول، المطالب بالتحرير، إلى تضحيات جسيمة، انعكست سلبا على أسرهم وبيوتهم وأبنائهم، وتبنى هذا التيار مبدأ الثورات الشعبية والاحتجاجات العارمة، وتأسيس حركات تحرر وتنظيمات ولجان، تنوعت مهامها ونشاطاتها على عدة مستويات سياسيا وثقافيا، وبررت الكفاح المسلح ضد عدوتها إيران، مستمدة شرعية كفاحها من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينبذ العنف بكافة أشكاله، إلا في حالة واحدة، والمتعلقة بالشعوب الرازحة تحت الاحتلال، التي يتيح لها الميثاق استخدام كافة الوسائل للتخلص من الاحتلال.
ولا تقل تضحيات التيار الثاني عن الأول، إذ طالته عمليات الاعتقال والخطف والإعدام، نتيجة مطالبته بالحق في تقرير المصير أو الحكم الذاتي، ولا يمكن إنكار كون هذا التيار، قام ببعض الاتصالات مع أطراف غير إيرانية، ويمكن الإشارة هنا إلى حركة التجمع الوطني في عر بستان(الاحواز)، التي أدرجت مبدأ الاتصال بحركات التحرر في العالم، ضمن برنامجها السياسي, ولكنها رفضت الاتصال بالأنظمة، محاولة بذلك الابتعاد عن التهم الإيرانية، كالعميل والخائن وغيرها التي غالبا ما يتخذها النظام ذرائع للإعدامات في صفوف الاحوازيين.
أما التيار الثالث، فيعتبر حديث النشأة والتطور بالمقارنة مع الأول والثاني، وقد انتهج أسلوب المعارضة لا المقاومة، وأقحم نفسه في الصراع بين التيارات السياسية المتنازعة على الحكم في إيران، التي يمثلها المحافظين الراديكاليين والمعتدلين الإصلاحيين، فوجد هذا التيار فرصة للعمل ضمن إطار ما يطرحه التيار المعتدل في إيران، ويعد حزب الوفاق الإسلامي، من ابرز مناصري هذا التيار.
وبالمقابل، فان كافة الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في إيران منذ 1925 حتى ألان، ترى بان عرب الاحواز، البالغ عددهم أكثر من 5 ملايين نسمة، يشكلون مجرد قومية من القوميات الإيرانية المتمثلة في الآ ذريين الأتراك والأكراد والبلوش والتركمان والبختياريين واللر، الذين يشكلون 60% من تعداد سكان إيران البالغ 65 مليون نسمة الآن. ولا يشكل الفرس إلا أقلية إذا ما قارناهم بالقوميات الثمانية المذكورة, إلا أن السلطة والحكم في إيران, غالبا ما تختزلان في القومية الفارسية دون سواها.
ولكن كيف ما كان الأسلوب الذي يتبناه الاحوازيون من اجل الخلاص من وضعهم المأساوي، سلميا كان أو غير ذلك، فان الرد الإيراني جاء عنيفا وقاسيا، دون تمييز بين هذا وذاك، إذ أن عناصر النظام تلاحق وتطارد مناصري التيار الأول والثاني وحتى الثالث في الكثير من الحالات، وتلفق لهم التهم التي من شانها أن تؤدي إلى حد الإعدام, وفقا للقوانين والدساتير التي يشرعها أو يبطلها النظام كما يشاء, إذ لا توجد في إيران أية حرمات, لا للقانون ولا للدستور، إلى الدرجة التي أصبح فيها كل عربي متهم، حتى تثبت إدانته, هذا ما عبر عنه الأمين العام للحركة الثورية الاحوازية على الأقل، ولا نقول بان ذلك يعد شعار جميع الاحوازيين.
وبالرغم من الطرح الإيراني تجاه القوميات المذكورة، فأننا نلاحظ تمييزا واضحا بين القومية العربية من جهة، وبين القوميات الأخرى من جهة ثانية، على سبيل المثال، مازالت الأقاليم الإيرانية ذات القوميات غير الفارسية، تتمتع بأسمائها الحقيقية، على عكس إقليم الاحواز، الذي سلبت منه التسمية الدالة على عروبته, إذ أننا نجد أن اذربايجان وكردستان وبلوجستان وتركمنستان ولرستان، احتفظت بتسمياتها التاريخية، بيمنا تمنع وتحرم تسمية "عر بستان " على الاحواز، والتي أطلقها العثمانيون الأتراك على هذه الإمارة العربية، وتبناها الفرس حتى عام 1925، ثم استبدلوها بـ "خوزستان" في عام 1936 م.
ومن هنا يتبين لنا كيف أن الأنظمة الإيرانية تميز وتفرق بين القومية العربية والقوميات الإيرانية الأخرى, ناهيك عن المعاملات الدالة على مدى كراهية هذه الأنظمة لأبناء عر بستان، والتي سنبين البعض منها فيما بعد. وتجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة أن القوميات الأخرى تتمتع بكافة حقوقها القومية داخل إيران التي لا يوجد فيها أدنى احترام لحقوق الإنسان بشكل عام, إذ أن اعتداءات النظام وبطشه طال الكثيرون، بما فيهم الفرس، عدى العناصر المدافعة عن النظام والمؤيدة له.
واتسمت معاملة الاحوازيين العرب، بالقمع الشديد والمجازر والتقتيل والتشريد والتهجير ألقسري والتجويع والإفقار الاقتصادي والإعدامات الواسعة النطاق في صفوفهم، إضافة إلى السجون والاعتقالات وأعمال السلب والنهب والتهديد والترهيب، وزرع المستوطنات الفارسية في المناطق العربية، والرامية إلى تفريس الاحواز ومحو هويتها العربية وطمس معالمها، والتي يمكن القول بان هذه السياسة بالتحديد (محو الهوية)، خص بها الاحوازيين دون سواهم من أبناء القوميات الأخرى.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار، جميع هذه الممارسات وغيرها تجاه عرب الاحواز، فمن الممكن أن تأخذ ردة الفعل الاحوازية، طابع المقاومة وليس المعارضة التي يقصد بها الأحزاب والجماعات السياسية التي تناضل للاستيلاء على الحكم، وتمارس في الإطار الشرعي وضمن المؤسسات الثابتة. والمعروف انه لا يوجد أدنى تشريع للمعارضة في إيران، عدى هامش الحرية التي هتف بها الرئيس محمد خاتمي ولكن دون التطبيق على ارض الواقع بسبب تعجرف التيار المحافظ بزعامة المرشد الأعلى للثورة في إيران، السيد خامنئي، الذي يسيطر على أكثر من 70% من مؤسسات الحكم في البلاد.
( l’oppression Résistance) أما المقاومة، فهناك نوعان: مقاومة للطغيان والاضطهاد
.(Résistance au Changement) والمقاومة من اجل التغيير
ويعني النوع الأول، الحق الذي يتمتع به الأفراد أو الجماعات، الذي يتيح لهم التصدي لكل التصرفات غير القانونية والجائرة، التي تصدر عمن هم في موقع المسؤولية، وقد أقرت العديد من العقائد والمذاهب السياسية مثل هذا الحق, (إعلان الحقوق الصادرة في فرنسا) ـ يوليو 1793. أما النوع الثاني من المقاومة، والذي يستهدف التغيير بكافة وجوهه، فيعني تلك المقاومة الفاعلة أو المعارضة الإرادية أو غير الإرادية التي يعتمدها جماعة من الناس بغية تغيير شامل يتناول الأفكار والسلوك وقواعد التنظيم. وفي الحقيقة يصعب الفصل بين هاتين النوعين من المقاومة بالنسبة إلى الحالة الاحوازية بشكل عام، إذ اعتمد نضال الاحوازيين كلتا الحالتين منذ نكبة عام 1925. كما اتخذت غالبية التنظيمات السياسية الاحوازية طابع المقاومة طوال السنوات الماضية، عدى حزب الوفاق الإسلامي الذي تم تأسيسه على عهد الرئيس محمد خاتمي، والذي حاول استغلال هامش الحرية المتاح له لينتزع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |